محمد جمال الدين القاسمي

66

طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري

يتمايل طربا ويهتز ذوقا ويغلب على لفظه حينئذ كلمة مدهش ، حتى إنه لكثرة ما كان يستعملها صار يتوهم أنه له كتابا اسمه « المدهش » وكان له في عنفوان الشباب مع سيدي الوالد قدّس سره المودة الفريدة . وكان يحيي معه الليالي الطويلة إلى الصباح ، ويتجاذبان أطراف اللطائف الأدبية ، وكنت آنس كثيرا بزيارته لنا ، وكان كلما نظم قصيدة عرضها على سيدي الوالد وأسمعه إيّاها . ويتحاوران في أثناء ذلك ويتناقشان ألطف محاورة ومناقشة . وكان إذا ابتهج بقصيدة يسبق لسانه إلى الدعاء على نظمها يدل الدعاء له غيرة أدبية وذائقة عربية ، وراجت صناعته أيام الأمير عبد القادر « 1 » فعمل له المقامات وامتدحه بالقصائد العاليات ، وكان الأمير يجيزه الجوائز الوافرات ، وبسببه أقبل على الأدب كليا وعشق مطالعة « ريحانة الألباء » و « نفخ الطيب » وقال لي مرة : كنت أنام على « نفح الطيب » وصاحب الأدباء ، وعاشرهم وراسل النائين منهم ، وانعقدت الصحبة مراسلة بينه وبين الفاضل الكبير عبد اللّه فكري باشا المصري ، ولما رحل إلى دمشق الباشا المذكور حلّ ضيفا في دار أبي المترجم ، وعمل الباشا « رحلة » ونوه بالمترجم في طليعة « رحلته » وكان يكاتب الأدباء المشتهرين في البلاد . ولما وفد الشيخ محمد الكاملي المغربي ، الأديب الشهير ، صاحبه المترجم ، و [ كان ] يتردد إليه كثيرا ، إذ كان نزيل الأمير المنوه به ، والجميع دائما في ظله ، وسافر سنة ( 1293 ) إلى الآستانة ، ولم يطل المقام بها . وكان يخالط الولاة والكبراء ورؤساء المجالس ويمدح الأعيان تحببا وتوددا . ولما قدم لدمشق توفيق أفندي قاضيا أحب والد المترجم وتردد إليه كثيرا لأنه كان يظهر أنه

--> ( 1 ) يعني الأمير عبد القادر الجزائري .